إياكي
— يا أمي، هي قالتلي إنك أنتِ اللي بتفضلي ترتاحي عشان الشغل بيرهقك!
الكلام قلقني، بس جاله تليفون في ساعتها والموضوع اتأجل. بعدها بفرصة بعتلي إنه هيتكلم معاها.
وما فيش حاجة اتغيرت.
ومرت السنين.
كل عيد ميلاد كنت بشتري هدية صغيرة لأدهم. كتاب صور، ديناصورات بلاستيك، قطار خشب… وكنت بشيل كل ده في دولاب، لحد ما بقى شبه أوضة طفل عمره ما دخل بيتي.
زميلاتي في الفندق كانوا بيوروني صور أحفادهم وهما بيتعلموا السباحة أو داخلين الحضانات، كنت ببتسم وأرجع بيتي وأنا بحاول أقنع نفسي إن أكيد هييجي يوم.
والفرصة جت لما ابنة أختي، مريم، أعلنت خطوبتها وفرحها.
العيلة كلها كانت معزومة.
حازم هيحضر، ونادين كمان.
وأدهم، اللي بقى عنده خمس سنين، هيكون هناك.
واحدة معايا في الشغل ساعدتني أنقي هدية صغيرة: عربية بوليس معدن. “الأطفال بيموتوا في الحاجات دي”، هي قالتلي كده.
وصلت القاعة في التجمع والهدية في شنطة زرقا صغيرة. طول الفرح ما لمحتش حازم، بس قبل العشا ميزت طفل لابس بدلة رمادي وماسك في إيده.
عرفت إنه أدهم من قبل ما أشوف وشك.
مشيت ناحيتهم.
ما كملتش خمس خطوات ولقيت نادين قطعت عليا الطريق.
— أنتِ بتعملي إيه هنا؟
— جاية أسلم على حفيدي.
— أنا مش قلتلك ما تقربيش منه؟
رفعت الشنطة وابتسمت بتوتر:
— جايباله هدية صغيرة، مش جاية أعمل مشاكل.
نادين شدت الشنطة من إيدي ورمتها على الأرض.
العربية الخشب خبطت في البلاط برنة عالية.
ناس كتير لفتت وشها ناحيتنا.
— هو أنتِ ما بتفهميش؟ — قالتها بصوت عالي — لسه بتشتغلي بتنزلي الفطار للناس وأنتِ عندك سبعين سنة! لا شهادة ولا مستوى، وعايزة تدخلي نفسك في حياة ابني؟ قلتلك مش عايزاه يتعلم القناعة والرضا بالليل والنهار لما يشوف ناس زيك!
حسيت القاعة كلها بتضيق عليا.
وفجأة، سمعت حاجة تانية بتتكسر ورايا.
كوباية اتفرتكت حتت جنب جزمة راجل شعره أبيض.
كان الأستاذ فاروق… والد نادين.
كان باصص لنا وكأنه شاف عفريت.
— نادين… — قالها وهو بيلطش طوله بالعافية — قوليلي إنك مش عارفة أنتِ بتتكلمي مع مين!
نادين اتلفتت، وكانت متضايقة ومستفزة:
— يا بابا، أكيد عارفة مين دي! دي أم حازم.
الأستاذ فاروق هز رأسه ببطء ونفي:
— لأ.. أنا بسألك أنتِ عارفة مين هي هدى السالم؟
نادين ضحكت ضحكة قصيرة من طرف مناخيرها: