أصلح
وصلت عشان أصلح الحنفية اللي بتخر عند ستي، ولقيتها من غير دواها؛ عمي كان عايز يجبرها تبصم على عقد البيت، بس كاميرا الدكانة الصغيرة غيرت كل حاجة.
لقيت ستي قاعدة على أرض المطبخ، إيد ضاغطة بيها على صدرها والإيد التانية بتدور على حاجة مش موجودة. علبة الدوا الزرقا اللي كانت دايماً بتحطها جنّب مفرش الترابيزة اختفت. وموبايلها كمان ملوش أثر. أول ما شافتني داخل، مسألتنيش عن الحنفية ولا عن السلم اللي كان عايز يتصلح، قالتلي وعينيها زايغة:
— يا دياب… قولي إنك مخلتنيش أبصم على حاجة.
رميت شنطة الصيانة من إيدي وجريت عليها. ستي “ست الحبايب” أو الحجة “زينب”، مش من الستات بتوع الدراما. دي من الستات بتوع شبرا الأليلة، اللي تهزأك لو مأكلتش، وبعدين تروّحك بيتك ومعاك نص التلاجة في أكياس. لو هي كانت بـ تترعش كده، يبقى في مصيبة حصلت.
طلبت الإسعاف فوراً، وبعدها كلمت أبويا، وطول ما إحنا مستنيين العربية كنت بحاول أخليها فايقة ومبتغمضش. كانت بـ تكرر إن “عصام” كان هنا. عصام ده عمي، مع إن كلمة “عمي” دي بـ تجيبلي الخزي. هو من نوعية الرجالة اللي يطلب منك “مصاريف مشي حالك” بوش زعلان، وتاني يوم يختفي بـ محفظتك، وبـ راحتك النفسية، ولو سهيت عنه ياخد انبوبة الجاز ويمشي.
جدي الله يرحمه قبل ما يموت، كان مجهّز كل حاجة عشان ستي تعيش مستورة ومحدش يذلها. البيت كان باسمها، وفلوسها متأمنة، والوصية مكانتش ورقة مكتوبة على القهوة. أبويا وعمتي ولاد عمي وأنا كنا بـ نتبادل الشفتات عشان نخدمها ونراعيها لأنها رفضت تسيب بيتها. كانت بتقول إن البيت ده فيه ضحكة جدي، وعلامات طول ولادها المكتوبة بالقلم الرصاص على حلق الباب، وحتى الزعيق اللي أكلناه لما كنا بنكسر القلل ونحنا بنلعب كورة في الصالة.
كنت بروح كل أسبوع أصلحلها حاجة. حنفية بتخر، كرسي مكسور، رطوبة في الحيطة. كانت بـ تدفعلي أجر المجهود ده بكوباية شاي بالنعناع، وحتة بسبوسة، وحكايات حافظها صم بس كنت بـ اسمعها كأني بـ اسمعها لأول مرة. عشان كده لما شفتها مرمية على الأرض وعينيها متغيمة، حسيت بكسرة في قلبي مش عارف ألمها.
عصام ده طول عمره فاكر إن الدنيا مديونة له عشان بـ يتنفس. جدي بطل يدي له جنيه من سنين لأن كل الفلوس كانت بـ تروح على الغرز، والديون الشبهة، والستات اللي بـ يقولوا له “يا حبيبي” طول ما جيبه فيه قرشين. ورغم كل ده، ستي كانت شايلة له حزن الأم اللي مش عارفة تكره ابنها، حتى لو الابن ده بقى ابتلاء.