تزوجها ج3

تساءَل وهو ينهض من على الأريكة ثم اقترب منها منتظرًا ردها.

تجاهلته وأكملت تحركها نحو الغرفة التي لم يتشاركوا فراشها.

زفر أنفاسه بقوة من أفعالها ودلف ورائها الغرفة.

_ أنا مش بسألك كنتِ فين يا “زينب”.

_ كنت على البحر بتمشى.

قالتها بوجه خالي من الحياة التي اطفئها، فتنهد وقال.

_ وتفتكري الكلمتين دول محتاجين أفضل أسألك كذا مرة عشان تردي.

_ أنا عايزة انام.

نظر إليها وإلى الفراش وتساءَل.

_ أنا شايفك بتنامي كتير، أنتِ تعبانة.

متناقض في أفعاله…أرادت الصراخ بوجهه حتى يرحمها لكنها اتخذت الصمت كعادتها واندست أسفل الغطاء الخفيف لتهرب بالنوم.

نظر لها “صالح” بنظرة طويلة وانسحب من الغرفة ليتهاوى بجسده على الأريكة ويدفن رأسه بين كفيه وشعور الندم يخترق فؤاده.

فتحت عيناها بعد مغادرته للغرفة وانسابت دموعها على خديها؛ لقد دمر حُلمها الجميل الذي عاشت داخله منذ خُطبتهم وما عليها إلاّ التظاهر بالسعادة في حياتها حتى لا تكون سبب في حزن جدها.
……

ابتهجت ملامح الحاج “عبدالرحمن” وهو يرى “عزيز” يدلف محل العطارة خاصته.

نهض الحاج “عبدالرحمن” على الفور من مقعده ونظر إلى أحد العاملين لديه قائلًا.

_ هات كرسي بسرعه.

السعادة كانت تتجلى بوضوح على ملامح الحاج “عبدالرحمن” الذي هتف بترحيب وهو لا يصدق قدومه اليوم إليه.

_ وأنا أقول شبرا نورت ليه، نورت شبرا كلها يا ابن الغاليين.

ابتسم “عزيز” وهو يربت على كتف الحاج “عبدالرحمن”.

_ المكان منور بأصحابه يا حاج “عبدالرحمن”.

_ هات الكرسي بسرعه يا “سيد”.

أراد “عزيز” الإعتراض، فلا بأس بالوقوف… فهو أتى لأمر دعوته لحفل زفاف “سيف” وقد قرر أن يأتي بنفسه ليعزمه إكرامًا لمكانة هذا الرَجُل لديه ومحبة شقيقه رحمه الله له.

جلس “عزيز” وقد أسرع أحد الصبية العاملين في محل العطارة بجلب الشاي له.

تغرغرت عينيّ الحاج “عبدالرحمن” بالدموع عندما أخبره بحفل زواج “سيف” وأول كلمة كان ينطقها الحاج “عبدالرحمن”.

_ الله يرحمك يا “سالم” ، أنا مش محتاج عزومة يا بني.

ابتسم “عزيز”، فهو يعلم هذا الأمر.

_ طبعًا يا حاج “عبدالرحمن”….

أخذهم الكلام لمواضيع عدة حيث الماضي وذكرياته ورغم رحيل أصحابها إلاّ أن ذكراهم مَازالت محفورة.

أطلق الحاج “عبدالرحمن” تنهيدة طويلة وابتسم.

_ مش آن الآوان أنت كمان تتجوز…

ولأول مرة لا يقول “عزيز” كلمة لا التي كان يقطع بها أي حديث يخص هذا الأمر.

_ إن شاء الله يا حاج.

عاد الحاج “عبدالرحمن” منزله وأثناء تبديله لعباءته نظر إلى زوجته وهي تعطيه عباءة نظيفه.

_ معزومين يوم الخميس على فرح الباشمهندس
“سيف” ابن “سالم” يا “هويدا”.

اطرب الخبر قلب “هويدا” ومدّت يديها لتساعده في ارتداء عباءته.

_ ولاد “سالم” كبروا واتجوزوا… فرحت قلبي بالخبر ده يا حاج… مين بقى العروسه؟!

امتعضت ملامح الحاج “عبدالرحمن” وهو يسمع سؤال زوجته.

_ هو أنا لازم اسأل على التفاصيل ديه، إحنا أخرنا نقول الف مبروك وبس يا أم “عمار”.

استاءت ملامحها وتنهدت بمقت من توبيخه الدائم لها وسُرعان ما كانت تتساءَل بأمل.

_ كده دلوقتي هيفكر يتجوز.

جلس الحاج “عبدالرحمن” على الفراش ونظر لها؛ فانتظرت بلهفة أن تسمع رده.

_ معترضش المرادي لما قولتله يفكر في أمر جوازه.

تهللت أسارير “هويدا” التي لم ترى إلاّ “أميمة” شقيقتها هي العروس التي سيفكر فيها بالتأكيد لكن لم تصرح بالأمر أمام زوجها.

_ يارب قريب نسمع خبر جوازه.

…..

كل شئ أصبح يسير بالمنزل على قدمٍ وساقٍ؛ فعُرس “سيف” بعد يومين… وسوف تصبح العروس رسميًا سيدة هذا المنزل.

ابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيّ “نيرة” وهي ترى “ليلى” تتقدم نحوها وتحمل في يدها كيس به شئ خاص وقد طلبت منها أن تأتي  لها بِه عندما علمت من “عايدة” أنها ستذهب لشراء غرضًا ما من الصيدلية.

التقطت “نيرة” منها الكيس البلاستيكي وابتسمت وكادت أن تمدَّ لها يدها بالمال لكن “ليلى” تراجعت للوراء ترفض فعلتها.

_ اوعي تعمليها.

_ بس ده حقك يا “ليلي”، أنتِ اشترتيلي حاجة ولازم تاخدي تمنها.

نظرت لها “ليلى” وقبضت بقوة على الكيس الأخر الذي تحمله.

_ لو طلبت منك طلب وتقدري تجيبهولي هتاخدي مني فلوس.

هزت “نيرة” برأسها وردت.

_ لا طبعًا، شكرًا يا “ليلى”.

كادت أن تتحرك “ليلى” وتتجه نحو الحديقة الخلفية حيث مسكن عمها وعائلته لكن توقفت مكانها عندما استمعت إلى صوته وهو يتحدث بالهاتف وقد اقترب من مكان وقوفهم.

_ فينك يا “نيهان” … دقيقتين وهتكون هنا… تمام.

قالها “عزيز” وهو يحرك عيناه بين ابنة شقيقه و “ليلى” وقد راقه هذا التقارب الذي حدث بينهم.

احتضن ابنة شقيقه وقبل رأسها؛ فأشاحت عيناها بعيدًا عنهم.

_ ازيك يا “ليلى”.

تمتم بها “عزيز” وقد خرج صوتها في خفوت وخجل وسُرعان ما كان يتساءَل عن وقوفهم سويًا بالحديقة.

_ كنتوا بتعملوا إيه وليه مدخلتوش جوه.

توترت “ليلى” من نظراته إليها وأرادت أن تتحرك من أمامهم لكن عيناها اتسعت على وسعهما عندما قالت “نيرة”.

_  اصل ليلى” كانت جيبالي حاجة من الصيدليه، فخرجت اخدها منها.

نظر “عزيز” نحو “ليلى” التي ارتبكت وقد فضحها خجلها…

خفق قلبه وهو يرى تورد وجنتيها ثم هروبها من أمامه.

_ عن إذنكم.

تعلقت عيناه -التي لم تعد تشبع من رؤياها-  بها وابتسم عندما استمع إلى رأي ابنة شقيقه عنها.

_ جميله وطيبه أوي.
….

وقفت “سمية” على أعتاب حجرة ابنة زوجها تتفرس عيناها الذابلة من البكاء…

اقترب “سمية” منها وقد أشاحت الأخرى عيناها لتمسح دموعها.

_ مكنتش فاكرة إني بحبه أوي يا طنط.

قالتها “بيسان” لزوجة أبيها التي كلما تذكرت زواج ابنها من تلك الأجنبية تمتقع ملامحها.

_ صدقيني هيكون ليكي يا “بيسان”، هعمل المستحيل عشان اخليه يكون ليكي.

نظرت لها “بيسان” وقد أصابها اليأس.

_ خلاص مبقاش ينفع…

احتقنت ملامح “سمية” ونظرت إليها ثم التقطت يديها وضمتهم بين كفيها.

_ أنا وعدتك إن “سيف” هيكون ليكي في يوم ومادام وعدتك يبقى تأكدي إنه هيحصل.

أغمضت “بيسان” عينيها، ترفض سماع ما وعدتها به من قبل وبالنهاية تزوج من أخرى.

_ نامي يا “بيسان”، عايزاكي بكره تكوني احلى واحده.

أغلقت “سمية” باب الغرفة ورائها بعدما اطمئنت أنها استقلت على فراشها وغفت.

تحركت “سمية” نحو الأسفل لتجلس في ركنها المفضل.

أغلقت نور الإضاءة ومدت ساقيها على المقعد الآخر وقد سقطت أطراف مئزرها الحريري.

أرجعت رأسها للوراء وأغمضت عيناها سارحة بالرَجُل الوحيد الذي أحبته ولم ترى منه إلاّ النفور والرفض.

_ آه يا “عزيز”، خلتني اعيش عمري كله وأنا بتمناك… بس مش هعمل كده في “بيسان”.
…

ابتسم “صالح” بحنان لـ صغيره الذي أخذ يُخبره بحماس عن فسحة جدوده له وسعادته … لقد تقرب الصغير من جدوده بعدما أعطى لهم “صالح” مساحة للتقرب من حفيدهم بسبب ما حدث في حياته مؤخرًا.

التقطت السيدة “حورية” الهاتف من الصغير وقد أعطاه لها بسلاسة والتهى في ألعابه.

_ يومين وراجع… انا عارف إني تعبتك.

قالها “صالح” وهو يظن أن إعتناء والدته بـ حفيدها عبئ عليها.

_ بالعكس انا مش تعبانه…أنا وابوك مبسوطين أوي وكمان جدك… أنت اللي كنت باعدنا عن الولد وباعد نفسك عننا.

تنهد “صالح” بقوة؛ فهو لا ينكر أنه جعلهم جميعهم يدفعون ثمن مـ,ـوت “سارة”.

_ “زينب” عامله إيه، مبسوطين.

تلك التنهيدة التي خرجت من شفتيه بعد سؤالها اخترقت فؤادها كأم.

_ بلاش تظلم البنت يا “صالح”، “زينب” حبتك يا بني.

أغمض عيناه عندما أخبرته والدته بما صار يعلمه ويراه في عينيها الذابلتين، حظها السئ جعلها تغرم برَجُل مثله، بارد المشاعر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *