تزوجها ج3
لم تستطيع النوم تلك الساعات القليلة قبل ذهابها للعمل؛ فعقلها كان مشغولًا منذ مغادرته فجرًا…
انتظرت قدوم العم “سعيد” من الڤيلا بلهفة وتركت البيض الذي تخفقه عندما استمعت إلي صوته وهو يتحدث مع زوجة عمها ويخبرها أن العروس الجديدة فقدت الجنين وقد غادر السيد “عزيز” فجرًا ليذهب إلى المشفى بعد اتصال “سيف” به.
شعرت “ليلى” بالراحة وزفرت أنفاسها بارتياح واقتربت منهم.
_ لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، زعلت عليها وعلى “سيف” بيه يا “سعيد”.
قالتها “عايدة” بحزن حقيقي؛ فامتقعت ملامح العم “سعيد”.
_ ما يمكن خير له يا “عايدة”، أنا الجوازة العجيبه ديه مش عجباني…
هزت “عايدة” رأسها له ييأس من أفعاله وتدخله فيما لا دخل لهم به.
_ يا “سعيد” ملناش دعوه… “سيف” بيه بيحب مراته وبيزعل عليها… اي كلمة منك ممكن تزعله أنا قولتلك ومليش دعوه بعد كده.
أشاح “سعيد” عيناه عنها ونظر نحو “ليلى” الواقفة.
_ اطمني يا “لولو” البيه مفيهوش حاجة.
خرجت الكلمات من فم العم “سعيد” بتلقائية، فهي من أخبرته بمغادرة سيده فجرًا.
ارتبكت “ليلى”؛ فأردف مؤنبًا.
_ الجو في الجنينة بيكون ساقعه الفجر… بلاش تطلعي تاني يا “لولو” الوقت ده لتبردي.
لطمت “عايدة” ساقيها ونهضت من جواره.
_ حتى شوية الهوا اللي البنت بتشمه وقت الفجر عايز تحرمها منهم…
رمقها “سعيد” بامتعاض من إعتراضها على أي حديث يتحدث به.
_ مالك يا “عايدة”، أنا بقولها بلاش تخرج الفجر في الجنينة عشان لسعة الهوا لتتعب.
_ ما أنت عارف إن حركتنا في جنينة الڤيلا محدوده… و وقت الفجر الوحيد اللي تقدر تاخد راحتها فيه.
وجدت” ليلى” الشجار بينهم سيزداد لتتجه نحو زوجة عمها وتجذبها معها إلى المطبخ.
….
وقفت “زينب” تقلب الطعام بشرود لتنفلت شهقة منها عندما ربتت “سما” ابنة عمها على كتفها وصاحت بمزاح.
_ مين اللي واخد عقلك يا “زوزو”.
وسرعان ما استكملت كلامها بمشاكسة.
_ اكيد طبعا كابتن “صالح”.
التقطت “زينب” أنفاسها ببطئ واستدارت نحوها.
_ حرام عليكي يا “سما” خضتيني.
حركت “سما” حاحبيها بمكر.
_ أنتِ اللي سرحانه… اكيد وحشـ,ـك حـ,ـضن الكابتن.
ثم أردفت بعدما التقطت منها الملعقة لتقلب الطعام.
_ جدو بيقولك روحي بيتك خلاص… كفايه كده على الكابتن… الراجل سايبك لينا اسبوع بحاله وقطعتوا اسبوع العسل بتاعكم عشان تعب جدو.
ازدردت “زينب” لُعابها والتقطت حبات الخضار لتقطعها.
_ جدو لسا تعبان… هفضل معاه لحد ما يخف.
التفت “سما” نحوها بعدما ارتشفت القليل من الشوربة لتتذوق طعمها.
_ سيادة اللواء بقى كويس يا “زوزو” وبكره الممرض اللي عمو “هشام” جايبه هيجي يتولى رعايته.
نظرت “زينب” نحوها؛ فتلاعبت “سما” بحاجبيها.
_ بت يا “زوزو” مش قولتيلي في آخر مكالمة إن الجواز حلو، ليه بقى عايزة تقعدلنا وجدو خلاص بقى كويس وحالته اتحسنت.
ارتبكت “زينب” واستكملت تقطيع الخضار.
_ “صالح” مش معترض على وجودي هنا.
تجرعت مرارة الكلمات وهي تنطقها، فهي لا مكان لها بحياة هذا الرَجُل الذي تزوجها لانه وجدها مناسبه لحياته وقد ظهرت الحقيقة كلها تلك الليلة وفهمت فيها سبب زواجه منها.
_ يا سلام على اسمه وأنتِ بتنطقيه بكل رقة… عنده حق كل يوم يجي يزور جدو… ما هو مش قادر يبعد عن القمر.
اقتربت منها “سما” وقد تجهمت ملامحها عندما تذكرت حديث زوجة عمها “هشام”.
_ فرستلك طنط “لبنى” امبارح لما سألتني ليه “صالح” متساهل في موضوع قاعدتك مع جدو مع إنكم لسا عرسان جداد والمفروض ميكونش قادر يستغنا عنك…
شعرت “زينب” بالألم وهي تستمع إلى كلام “سما” الذي زاد من حرقة قلبها.
_ “زوزو” أنتِ لازم ترجعي بيتك، كلام العيلة هيكتر…وكل واحد هيطلع بكلمة ومحدش هيفسر وجودك هنا غير لقدر الله إن في خلافات بينك وبين “صالح”.
تمكنت “زينب” أخيرًا من إبتلاع غصتها ثم اتجهت نحو البراد لتلتقط علبة الصلصة.
_ “سما” هتتغدي معانا مش كده.
ارتفع رنين هاتف “سما” الذى أنقذ “زينب” من إستمرار الحديث بينهما والذي ربما ينتهي ببكائها وإفشاء سرها الذي سيزيد من انتكاسة جدها.
_ طبعا يا “زوزو”… هخلص مكالمتي ورجعالك نكمل تحضير الغدا سوا.
حررت” زينب” تلك الدمعة التي فاضت من مقلتيها…فما عساها أن تفعل.
جلسوا بغرفة الجد ليشاركوه تناول الطعام وقد أشرقت ملامحه بعض الشئ بعدما استرد عافيته من انتكاسته الأخيرة.
_ “صالح” كلمني من شويه.
توقفت “زينب” عن تناول الطعام وفعلت مثلها “سما” ونظرت كلتاهما إليه.
_ مالكم وقفتوا أكل ليه…
استكمل “نائل” تناول الطعام واستطرد.
_ اتصل يطمن عليا وسألني لو ينفع “زينب” تروح معاه لو اتحسنت..
ابتسمت “سما” التي أكد لها هذا الاتصال لهفة “صالح” على ابنة عمها وأن تركه لها لم يكن إلا تقديرًا منه لمعرفتة بتعلق “زينب” بالجد.
_ أنا شايفة إن “زينب” فعلا لازم تروح يا جدو… طنط “لبنى” بدأت تتكلم بكلام سخيف عن “زينب” والكل هيفتكر إن وجودها هنا وراه سبب تاني.
_ “سـمـا”، أنا قولت هفضل مع جدو لحد ما يخف.
قالتها “زينب” بحده لم تقصدها، مما أدهش الجد و “سما” لكنهم فسروا الأمر غضبًا من حديث زوجة عمها عنها.
هز “نائل” رأسه بتفهم وترك ملعقته ثم التقط المحرمة ليمسح شفتيه.
_ “سما” كلامها صح يا “زينب” وانا معاها…. أنتِ لسا عروسة جديده وسايبه جوزك والراجل متقبل هو وأهله ده لانهم عارفين تعلقك بيا وتعلقي بيكي… وعمك “هشام” جابلي ممرض كويس وأنتِ تقدري تطمني عليا كل يوم بس من غير بيات لانه ميصحش تسيبي جوزك.
_ يا جدو.
هتفت بها “زينب” باعتراض، لتنظر “سما” إليها قائله بحزم مصطنع.
_ لقد صدر القرار من سيادة اللواء.
لم تجد “زينب” أمامها إلاّ الإستسلام لقرار جدها والعودة مع “صالح” الذي آتى بالمساء ليصطحبها.
نظرة ساخرة رمقته بها عندما صعدت جواره السيارة وقد انتبه على نظرتها التي صار يراها كثيرًا نحوه.
_ تعرفي يا “زينب” اكتر حاجة بكرها في حياتي إيه.
نظرت له ثم أشاحت عيناها عنه.
_ إن اللي قدامي يكون عايز يواجهني فيستخدم النظرات بدل ما يتكلم…
تجهمت ملامحها عند سماع كلامه؛ فما الذي ستواجهه به بعدما قيدها بزواج لا فرار منه.
_ مش عايزه تسمعي أي تفسير عن مكالمتي مع والدتي ساعتها ولا هتكتفي بالصمت؟!
أعاد لها ذكريات تلك الليلة التي سمعت فيها سبب اختياره للزواج منها.
_ رسالتك يومها وصلت كويس أوي يا “صالح” بيه…اختيارك كان في محله ليا… اختارت أنت و “شاكر” بيه البنت اليتيمة اللي كان ابوها منبوذ من اخواته ودلوقتي بيرعاها جدها اللي كانت أمنية حياته إنه يجوزها خوفًا عليها لأعمامها يرموها.
تنهد “صالح” بقوة، فهو لا يستطيع تفسير السيب الأساسي من هذه الزيجة لها… زواجه منها كان من أجل صغيره الذي صار بالفعل بحاجة لأخوة بعدما اقتنع بهذا الأمر لكنه لا يستطيع سلب حقها لتكون هذه هي مهمتها في حياته… أن تكون وعاء للإنجاب وجارية للفراش.
نظر لها ثم تحرك بالسيارة بصمت إلى أن وصل إلى منزل جده حتى يجلب صغيره.
ضاقت عيناه عندما وجدها لم تغادر السيارة ورائه، فهو يعلم أنها بالأيام الماضية كانت تتعامل مع عائلته بصعوبة أمام جدها بسبب مشاركتهم له في خداعها لتتم تلك الزيجة.
عاد إليها ليفتح باب السيارة لها يتمتم بحزم.
_ انزلي يا “زينب”.
أرادت الإعتراض لكنها عندما وجدت السيدة “حورية” تخرج من باب المنزل وتقترب منهم… تننهدت وترجلت من السيارة.
_ إيه يا ولاد مش هتدخلوا ولا إيه.
وتقدمت من “زينب” لتحـ,ـضنها وترحب بها.
_ الڤيلا نورت بوجودك يا “زينب”، خليت الخدم يعملوا على العشا كل الأصناف اللي عرفت إنك بتحبيها.
لم تكن “زينب” يومًا تحمل صفات قلة الذوق ولكنها رغمًا عنها كانت تجيب على كلمات ترحبيها باقتضاب جعل “صالح” ينظر لها بنظرة لائمة فهو أخبرها أن والديه لا علاقة لهم بالأمر.
شعر “شاكر” بالحزن عندما رأي نظرتها له بعدما علم أنها عرفت سبب تقدمه لخطبتها لحفيده؛ فهي كانت اختيار درسه الجد بعناية.
الحقيقة كانت واضحة بصورة منقوصة لكل منهم وهي وحدها من كانت الدمية التي تلاعبوا بها.
تم وضع الطعام وقد مرت وجبة العشاء بهدوء، حاول والد “صالح” -الدكتور “صفوان”- اجتذاب الحديث معها عن حالة جدها حتى يزيل تلك الحواجز التي وضعت بسبب سوء تصرف ابنه.
غادروا منزل الجد ومعهم الصغير وعند دلوف “زينب” الشقة شعرت “زينب” بالاختناق الشديد عندما تذكرت ذكريات تلك الليلة التي نبذها فيها.